محمد بن جرير الطبري
97
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
ولو وَجب أنْ يكون معنى قوله : { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } فإذا ألَّفناه فاتبع ما ألَّفنا لك فيه - لوجب أن لا يكون كان لزِمه فرضُ { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } ولا فرضُ { يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ } [ سورة المدثر : 1 ، 2 ] قبل أن يؤلَّف إلى ذلك غيرُه من القرآن . وذلك ، إنْ قاله قائل ، خروجٌ من قول أهل المِلَّة . وإذ صَحَّ أن حكم كلّ آية من آي القرآن كانَ لازمًا النبيَّ صلى الله عليه وسلم اتباعُه والعملُ به ، مؤلَّفة كانت إلى غيرها أو غيرَ مؤلَّفة - صحّ ما قال ابن عباس في تأويل قوله : { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } أنه يعني به : فإذا بيَّناه لك بقراءتنا ، فاتبع ما بيناه لك بقراءتنا - دون قول من قال : معناه ، فإذا ألَّفناه فاتَّبع ما ألفناه . وقد قيل إن قول الشاعر : ضَحَّوْا بِأَشْمَطَ عُنْوانُ السُّجُودِ بِه . . . يُقَطِّع الَّليلَ تَسْبِيحًا وقُرْآنَا ( 1 ) يعني به قائله : تسبيحًا وقراءةٌ . فإن قال قائل : وكيف يجوز أن يسمى " قرآنًا " بمعنى القراءة ، وإنما هو مقروء ؟ قيل : كما جاز أن يسمى المكتوب " كتابًا " ، بمعنى : كتاب الكاتب ، كما قال الشاعر في صفة كتاب طَلاقٍ كتبه لامرأته : تُؤَمِّل رَجْعةً مِنّى ، وفيها . . . كِتابٌ مثلَ ما لَصِق الغِرَاءُ ( 2 )
--> ( 1 ) البيت لحسان بن ثابت ، ديوانه : 410 ، وضحى : ذبح شاته ضحى النحر ، وهي الأضحية . واستعاره حسان لمقتل عثمان في ذي الحجة سنة 35 ، رضي الله عنهما . والعنوان : الأثر الذي يظهر فتستدل به على الشيء . ( 2 ) لم أجد هذا البيت في شيء من المراجع التي بين يدي . وتنصب " مثل " على أنه بيان لحال المفعول المطلق المحذوف ، وتقديره : " كتاب لاصق لصوقًا مثل ما لصق الغراء "